بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة :
السلام عليكم ورحمة الله ، أيها الأخوة والأخوات ، أهلاً بكم في لقاء جديد في برنامج : "الإسلام منهج حياة ".
ضيف البرنامج هو فضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي ، الداعية الإسلامي ، أهلاً بكم فضيلة الدكتور .
الدكتور راتب :
بكم أستاذ جميل جزاك الله خيراً .
الأستاذ جميل :
لا شك أن التعاون ، والتكاتف ، والتعاضد ، كلها ألفاظ تنبئ عن النجاح ، وسعة الأفق ، ما هو دور التعاون في حياة المسلم ؟ وما هي النصوص الداعمة لذلك ؟
دور التعاون في حياة المسلم :
الدكتور راتب :
نحن في المحطة السادسة محطة العمل التي بدأناها بالاقتصاد الإسلامي وخصائصه ، ثم ثنينا بالزكاة ، ثم ثلثنا إن صحّ العبير بإدارة الوقت ، وها نحن ننهي هذه المحطة بالتعاون ، فنحن عندنا قاعدة أصولية أن : كل أمر في القرآن الكريم وفي السنة الصحيحة يقتضي الوجوب ، وعلة أي أمر أنه أمر ، فإذا قال الله عز وجل في قرآنه الكريم :
﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ﴾
( سورة المائدة الآية : 2 )
هذا أمر يقتضي الوجوب ، ومعه نهي آخر ، قال علماء التفسير : التعاون على البر ، أي التعاون على صلاح الدنيا ، وتأمين حاجات الناس ، وتأمين سكن للشباب ، وتزويج الشباب ، واستخراج الثروات ، وتطوير الصناعة ، وإصلاح الأراضي ، وإنشاء السدود ،
﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ ﴾
على صلاح الدنيا
﴿ وَالتَّقْوَى ﴾
صلاح الآخرة ، ترسيخ معالم الحق، ردّ الشبهات ، تدعيم الحق ، مناهضة خصومه ،
﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى ﴾
فالتعاون أمر إلهي يقضي الوجوب ، ولأن التعاون حيادي يمكن أن يكون في الخير كما يمكن أن يكون في الشر ، قال تعالى :
﴿ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ ﴾
لا أن تغري الناس بمعصية ، لا أن تحدث في الدين شيئاً يبعدهم عن ربهم ،
﴿ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ﴾
أن تعتدي على أموال الناس أو أعراضهم ، وأن تأخذ ما ليس لك ، أو أن تبتزهم ، أو أن توقع بينهم العداوة والبغضاء ،
﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ﴾
التعاون حيادي يمكن أن يكون في الخير كما يمكن أن يكون في الشر ، فالبطولة أن تتعاون التعاون الإيجابي وأن نبتعد عن أي تعاون يؤدي إلى شقاء الإنسان .
الأستاذ جميل :
هل عمل الشرع على روادع تصد الناس عن هذه الأناة ، عن هذه الأثرة ؟.
وقوف الإسلام موقفاً شديداً تجاه كل نزعة تناقض التعاون والمساواة بين البشر :
الدكتور راتب :
الحقيقة هناك نهي شديد عن استغلال الناس ، عن ابتزاز أموالهم ، عن أن يبني الإنسان مجده على أنقاض الآخرين ، أن يبني حياته على موتهم ، أن يبني عزه على ذلهم ، أن ينبني غناه على فقرهم ، هناك نهي شديد عن استغلالهم ، عن إلقاء الرعب في قلوبهم ، عن أخذ ما ليس لهم ، هناك نزعة فردية أنانية ، هناك نزعة تريد أن تسلب جهد الآخرين ، أن تبتز أموالهم ، هذه أشياء تتناقض مع التعاون ، بل تتناقض مع المساواة بين البشر ، كل إنسان له حق الحياة ، وحق العمل ، وحق الكرامة ، وحق العزة ، هذه حقوق شرعها الله للمسلمين ، ولكل الناس قاطبة .
فالإسلام وقف موقفاً شديداً تجاه كل نزعة تناقض التعاون ، والتي تناقض التعاون تناقض المساواة بين البشر ، لكن الذي أتمناه أن واضحاً أن الله سبحانه وتعالى :
﴿ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ ﴾
( سورة الأنفال الآية : 63 )
فكأن هذا الحب الناتج عن التعاون ثمرة من ثمار الإيمان ، هو من خلق الله عز وجل
﴿ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ ﴾
فمع التعاون هناك الحب .
(( وَجَبَتْ محبَّتي للمُتَحَابِّينَ فيَّ ، والمُتجالِسينَ فيَّ ، والمُتزاورينَ فيَّ ، والمتباذلينَ فيَّ على منابر من نور يغبطهم عليها النبييون يوم القيامة ))
[أخرجه مالك عن معاذ بن جبل ]
الحب الناتج عن التعاون ثمرة من ثمار الإيمان :
إذاً التعاون له ثمار يانعة جداً ، و من ثماره المحبة ، والله عز وجل وصف مجتمع المؤمنين فقال :
﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾
( سورة التوبة )
وصف مجتمع المؤمنين أن بعضهم أولياء بعض ، يتعاونون ، يتناصحون ، يتبادلون ، يتزاورون ، يدعو بعضهم بعضاً ، كلهم كلٌ واحد ، كلهم ينتمي إلى المجموع ، فلذلك التعاون فريضة ، وتكاد أن تكون الفريضة السادسة .
الأستاذ جميل :
ما هي العواقب والنتائج السلبية التي قد يحصدها المسلم من مجتمع لا يتخذ من التعاون سبيلاً ؟.
المؤمنون بعضهم أولياء بعض :
الدكتور راتب :
أستاذ جميل ، آية في الأنفال تلفت النظر ، هذه الآية تقول :
﴿ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَوَوْا وَنَصَرُوا ﴾
( سورة الأنفال الآية : 72 )
المحصلة :
﴿ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ﴾
( سورة الأنفال الآية : 72 )
المؤمن يؤمن الإيمان الذي أراده الله ، الإيمان الذي يحمل على طاعة الله ، ويهاجر في سبيل الله ، لأنه جاء إلى الدنيا ليعبد الله ، فالمكان الذي كان يحول بينه وبين عبادة الله يهجره إلى بلد آخر يعبد الله فيه ،
﴿ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾
أي بذل أقصى جهده من أجل دعم الحق ، أنا أقول دائماً : لا تقلق على هذا الدين إنه دين الله ، ولكن اقلق ما إذا سمح الله لك أو لم يسمح أن تكون جندياً له ،
﴿ وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَوَوْا وَنَصَرُوا ﴾
آوى بعضهم بعضاً ، نصر بعضهم بعضاً ، الآن التاج لهذه النشاطات ، وهذه الجهود :
﴿ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ﴾
العواقب والنتائج السلبية التي يحصدها المسلم من مجتمع لا يتخذ من التعاون سبيلاً :
قد يتوهم المتوهم أن المؤمنين وحدهم أولياء بعضهم بعضاً ؟ لا ، ثم يقول الله عز وجل :
﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾
( سورة الأنفال الآية : 73 )
يتعاونون على إطفاء نور الله ، يتعاونون على دحض الحق ، يتعاونون على تعرية الطرف الآخر ،
﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ﴾
أما الملمح الدقيق الخطير :
﴿ إِلَّا تَفْعَلُوهُ ﴾
( سورة الأنفال الآية : 73 )
الهاء على من تعود ؟ قال علماء التفسير : تعود على الآية السابقة ،
﴿ إِلَّا تَفْعَلُوهُ ﴾
إن لم تؤمنوا الإيمان الصحيح ، إن لم تهاجروا ، إن لم تجاهدوا بأموالكم وأنفسكم، إن لم تؤووا ، إن لم تنصروا :
﴿ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ ﴾
( سورة الأنفال )
وهذا واقع العالم اليوم ، حينما ضعف المسلمون ، حينما كان بأس المسلمين بينهم، حينما ابتعدوا عن التعاون ، حينما لم يجاهدوا الجهاد الذي أرداه الله عز وجل ، حينما هان أمر الله عليهم فهانوا على الله ،
﴿ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ ﴾
لأن الطرف الآخر يسعى جاهداً لإطفاء نور الله ، وتقويض دعائم الدين ، فهذه الآية من أخطر الآيات في القرآن الكريم ،
﴿ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَوَوْا وَنَصَرُوا * وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ﴾
انتبهوا هم يسهرون ، ويخططون ، ويسعون جاهدين لإطفاء نور الله ،
﴿ إِلَّا تَفْعَلُوهُ ﴾
إن لم تؤمنوا ، وتجاهدوا بأموالكم وأنفسكم ، وتهاجروا ، وتؤووا ، وتنصروا
﴿ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ ﴾
الأستاذ جميل :
إذاً دكتور ما هي الثمار التي نسعى لتحصيلها من خلال هذا التعاون ؟.
ثمار التعاون :
الدكتور راتب :
هناك ثمار يانعة جداً ، أنا أستخدم المصطلحات الحديثة ، من ثمار التعاون نظام فريق العمل ، فريق العمل أحد أسباب قوة الآخرين ، فريق العمل تعاون ، فريق العمل تناصح ، فريق العمل تنازل ، أنا أتنازل لأخي للمصلحة العامة ، نظام فريق العمل أحد ثمار التعاون ، العمل المؤسساتي المبني على نظام دقيق جداً لا يتأثر كثيراً بالأشخاص أحد ثمار التعاون ، الانتماء للمجموع أحد ثمار التعاون ، ترشيد الاستهلاك أحد ثمار التعاون .
أنا أضرب مثالاً بسيطاً ، إنسان مضطجع تحت شجرة تفاح قد قطفت ، وبقيت تفاحة كبيرةٌ صفراء ولها خد أحمر ، فاشتهاها ، ومعه منشار شجرة ، فقطع الشجرة ، وقعت الشجرة فأكل التفاحة ، هذا مثل صارخ للانتماء الفردي ، والدول النامية انتماءاتها فردية ، والدول القوية انتماءاتها جماعية ، فالانتماء إلى المجموع من ثمار التعاون ، فضيلة التنازل ، إذا عزّ أخوك فهن أنت ، أنا أتنازل لأخي من أجل المصلحة العامة ، الآن الغرب قوته في نظام فريق العمل ، قوته في التعاون ، قوته في العمل المؤسساتي ، قوته في الانتماء للمجموع، قوته في ترشيد الاستهلاك ، ونحن ضعفنا في الانتماء الفردي ، في العمل الشخصي لا المؤسساتي ، في التنافس لا في التعاون .
فلذلك نحن بالإمكان أن ننهض من كبوتنا لو عدنا إلى ديننا ، كل هذه المصطلحات الحديثة أنا آثرت أن آتي بها لأؤكد أنها أصل في ديننا ، بل إنها ثمرة يانعة من ثمار التعاون .
خاتمة و توديع :
الأستاذ جميل :
جزاكم الله خيراً فضيلة الدكتور وأحسن إليكم ، كنا معكم أيها الأخوة في موضوع التعاون ، نشكر لكم حسن المتابعة ، نترككم في أمان الله وحفظه .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
والحمد لله رب العالمين
http://nabulsi.com/blue/ar/art.php?art=2633&id=189&sid=799&ssid=808&sssid=838