الحقوق محفوظة لأصحابها

محمد العريفيحسن الحسيني


ها هي مريم العذراء البتول وقد ملأتها الدهشة يقف أمامها رجل غريب وهي وحيدة بعيدة عن أهلها وأقاربها أصابتها هزة شديدة وخوفٌ كبير ..

الشيخ محمد العريفي : ماذا تفعل مريم هل تصرخ وتستنجد بالناس ؟ إنهم بعيدون عنها هل تقاوم هذا الرجل ؟ إنها فتاة ضعيفة لا تقدر على دفعه ومقاومته ليس أمامها إلى أن تلجأ إلى ربها وأن تلوذ وتحتمي به هي توقن أن الله سيحميها ويعيذها ولذا خاطبت هذا الرجل بأنها تتعوذ بالرحمن منه واستحيت التقوى في قلبه قالت : {قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَٰنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا } .. فينطق ذلك الرجل قائلا {.. إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا } [مريم 18/19] ، ثم تمضي القصة في مشهد جديد من مشاهدها فتعرض هذه العذراء الحائرة في موقف آخر أشد هولا { فَحَمَلَتْهُ فَانتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا } [مريم 22] ، وهذه هي الهزة الثالثة ..

الشيخ حسن الحسيني : لقد انتهى الإنتباذ الأول وبدأ الإنتباذ الثاني وما بين الإنتباذ الأول والثاني حصلت مرحلة الحمل مصداقا لقوله تعالى : { فَحَمَلَتْهُ فَانتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا } [مريم 22] ، والحمل هنا ليس كحمل بقية النساء ولكنه حملٌ معجز فمريم لم تعد إلى بيتها ولا إلى بيت زكريا ولا إلى المحراب فهذه كل الأماكن المحتملة لعودتها لكي نتأول مدة حملها بين يوم وأيام أو أشهر بل واصلت فحملت فانتبذت ومعلومٌ أن الفاء في انتبذت للتعقيب وأن الزمن المستغرق لولادة عيسى - عليه السلام – لم يكن إلى مسافة سير مريم بين الإنتباذ الأول وصولا إلى المكان القصي والله أعلم به ولقد كان الحمل بالمسيح عيسى عن طريق نفخ جبريل في مريم من روح الله وهذا ما أخبر الله تعالى به { ..فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا .. } [الأنبياء 91] ، وورد ذلك في معرض الثناء على مريم – عليها السلام – والإشادة بعفتها وإحصانها ..

{ وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ } ، { فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَىٰ وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا ۖ وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ } ، { وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِّلْعَالَمِينَ } [الأنبياء 89/90/91] ..

الشيخ محمد العريفي : يقول الله جل وعلى عن مريم – عليها السلام – { وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِّلْعَالَمِينَ } [الأنبياء 91] ، آية تعبر عن عفت مريم – عليها السلام – عن طهارتها عن عدم ارتكابها للفواحش أبدا المرأة الحَصَان هي المرأة المتعفف الحَاصنة لفرجها بعفتها أو بتزوجها المرأة الحَصان في اللغة تطلق على قسمين إما أن تكون المرأة متزوجة فهي محصنة لأن زوجها هو الذي أحصنها فهو يلبي حاجتها فلا تتطلع إلى غيره والقسم الثاني المرأة غير المتزوجة فهي محصنة فليس لها زوج يحصنها ويلبي حاجتها الجنسية لكنها تحصن نفسها تحافظ على عرضها على عفتها تحافظ على طهارتها إنها تملك الغريزة التي فيها تستعلي على شهوتها ولا تتطلع إلى رجلٍ بالحرام تجاهد نفسها لتحافظ على عفتها وعلى طهارتها ..

الشيخ حسن الحسيني : أما إحصان مريم – عليها السلام – من باب إسم الفاعل فهي مُحْصِنة مُحْصِنة لنفسها ولفرجها لعدم وجود زوجٍ يُحصنها وإنما إحصانها لنفسها بتساميها واعتلائها على الضعف والشهوة وارتفاعها إلى منازل المقربين عند الله وانشغالها بالعبادة والذكر وسعادتها بمناجاة الله - سبحانه وتعالى – والاتصال به ولهذا قال الله تعالى عنها : { وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا } فأسدل الإحصان إلى مريم فكانت عفيفة طاهرة ثم إن الثناء على مريم بأنها أحصنت فرجها والشهادة لها بعفتها وطهارتها لتكذيب اليهود الذين اتهموها في عِرضها وقالوا فيها قولا عظيما وهذه الشهادة لها في القرآن الكريم دليلا على أن القرآن كلام الله وأن محمدا هو رسول الله – صلى الله عليه وسلم - ..

{ وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ } [التحريم 12] ..

الشيخ محمد العريفي : ولما أراد الله – جل وعلا – تحقيق وعده أرسل الروح الأمين جبريل - عليه السلام – فنفخ فيها فحملت بعيسى - عليه السلام – { ..أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا.. } [التحريم 12] ، والمعنى " أحصنت مريم ابنت عمران فرجها " امرأة عفيفة فنفخنا في فرجها من روحنا وهو جبريل - عليه السلام – وذهب بعض العلماء إلى أن المراد بالفرج هنا فتحت الثوب التي في ثوب مريم التي عند عنقها وليس المراد فرجها هي لقوله تعالى في سورة الأنبياء : { وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِّلْعَالَمِينَ } [الأنبياء 91] ، وهذا القول قد قال به بعض أهل العلم والمقصود هنا بفتحة الثوب هي فتحت الثوب التي تكون عند عنقها فإن المرأة إذا لبست ثوب كان هناك فتحة في أعلاه ليخرج منها رأسها وهذه الفتحة قال بعض أهل العلم هي التي جرى النفخ من خلالها قالوا إن معنى أحصنت فرجها أنها صانت ثوبها فلم يمسه أحد لم يمس فتحته التي عند عنقها أحد اعتبروا هذا مبالغة في الثناء عليها إذا كان ثوبها لم يمسه أحد فما بالك بجسدها بعفتها بطهارتها لم يقترب منها أحد فإحصانها لفرجها الحقيقي من باب أولى قال الإمام ابن كثير – رحمه الله تعالى – ذكر غير واحد من السلف أن الملك هنا جبرائيل - عليه السلام – نفخ في جيب ذِرعها وهو شق الثوب عند الصدر فنزلت النفخة حتى ولدت في فرجها فحملت بعيسى - عليه السلام – بإذن الله – جل وعلا - ..

فكانت النفخة بمنزلة لقاح الأب والأم ولجت فيها تلك النفخة الذكية من ذلك الماء الزكي فأنشأ الله منها تلك الروح الزكية فكانت روحانيا نشأ من مادة روحانية

الشيخ حسن الحسيني : ومن لطائف التعبير القرآني أنه فرق بين النفخة في خلق آدم والنفخة في خلق عيسى – عليهما السلام – فعبر عن النفخة في خلق آدم بالمفرد فقال { ..وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي.. } [الحجر 29] ، بينما عبر عن النفخة في خلق عيسى – عليه السلام – بالجمع فقال : { ..فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا.. } [التحريم 12] ، فما الحكمة في ذلك أقول بالنسبة لآدم – عليه السلام – فإن الله تعالى هو الذي نفخ في جسده الممدد وكانت نفخة مباشرة من الله تعالى فدبَّت في آدم الروح وقام إنسانا حيا أما بالنسبة لعيسى – عليه السلام – فإن الله تعالى بعث جبريل – عليه السلام – لينفخ في مريم – رضي الله عنها – من روحي فقام جبريل بالمهمة وتمت النفخة ولهذا عُبِرَ بالجمع فقال : { ..فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا.. } .. فاجتمع كلٌ من المسبب والسبب فالله تعالى هو المسبب في النفخ لأنه هو الذي أمر بالنفخ وقدر ذلك وأراده وجبريل – عليه السلام – هو السبب المادي الذي قام بالنفخ ونفذ أمر الله تعالى وحقق إرادة الله تعالى في عالم الواقع فلما اجتمع المسبب والسبب عُبِرَ بالجمع ..

الشيخ محمد العريفي : لقد نفخ الله - جل وعلا – في طينت آدم من روحه فكان إنسانا يسير كما يسير الناس ويحيا كما يقول الله - جل وعلا – : { فَإِذَا سَوَّيْتُهُ.. } .. أي إذا سويت خلقت آدم { فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ } [الحجر 29] ، قال ذلك للملائكة وقال تعالى في قصة عيسى - عليه السلام - : { وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا } ، فالأمر في النفخ في عيسى - عليه السلام – له سابقة في النفخ في آدم - عليه السلام – والروح هنا هو نفسه الروح هناك ولم يقل أحدٌ أبدا من أهل الكتاب وهم يؤمنون بقصة آدم وبالنفخة فيه من روح الله لم يقل أحد إن آدم إله ولا إن آدم أُقنومٌ من أقانيم الإله كما قالوا ذلك عن عيسى - عليه السلام – مع تشابه في الحال من حيث قضية الروح والنفخة ومن حيث الخلقة كذلك يقول الله تعالى : { إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ ۖ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ } [آل عمران 59] ، فمثل عيسى - عليه السلام – في الخلق كمثل آدم - عليه السلام – في الخلق تماما بل إن آدم عليه السلام خلق من غير أم ولا أب أما عيسى - عليه السلام – فخلق مع وجود أم ويعجب الإنسان وهو يرى وضوح القضية وبساطتها إلا أنه عقدت قضية سيدنا عيسى – عليه السلام – هذا التعقيد كله في أذهان أجيال بعد أجيال وهي كما يصورها القرآن بسيطة جدا بسيطة واضحة مكشوفة إن الذي وهب آدم الحياة وجعله إنسانا من غير وجود أم ولا أب هو الذي وهب عيسى - عليه السلام – حياة وجعله إنسانا من غير وجود أب ولا يختلف ذلك عن سائر الخلائق إلا بعدم وجود أبوين أو وبعدم وجود أب والله – جل وعلا – يخلق ما يشاء ويختار هذا الكلام السهل الواضح أولى بالأخذ والفهم من أساطير تعبر عن ألوهية المسيح وتدعي ذلك لمجرد أنه جاء من غير أب ..

الشيخ حسن الحسيني : إن البشرية لم تشهد خلق نفسها وهو الحادث العجيب الضخم في حياتها لم تشهد خلق الإنسان الأول من غير أب ولا أم وقد مضت القرون بعد ذلك الحادث فشاءت الحكمة الإلهية أن تبرز المعجزة الإلهية الثانية في مولد عيسى – عليه السلام – من غير أب على غير السنة التي جرت منذ أن وُجد الإنسان على هذه الأرض ليشهدها البشر ثم تضل في سجل البشرية بارزة ظاهرة تتلفت إليها الأجيال إن عز عليها أن تتلفت إلى العجيبة الأولى التي لم يشهدها إنسان فلعل الحكمة من خلق عيسى – عليه السلام – بنفخة مباشرة في مريم هي التدبر والتأمل في حادثة خلق الإنسان أصلا وإنشائه على هذه الصورة لتبقى أمام أنظار البشرية معلما بارزا على حرية المشيئة الإلهية وعدما احتباسها داخل حدود النواميس ولنجعله آية للناس ..

ونظرا لغرابة الحادث وضخامته فقد عز على فِرَق من الناس أن تتصوره على طبيعته وأن تدرك الحكمة في إبرازه فجعلت تضفي على عيسى بن مريم - عليه السلام – صفات الألوهية وتصوغ حول مولده الأساطير مما أدى إلى تشوه العقيدة وتلوث صفاء التوحيد .

مع الشكر لفريق تفريغ منتدى العريفي : http://www.3refe.com/vb/showthread.php?t=254179