الحقوق محفوظة لأصحابها

طارق السويدان
هل صحيح أننا نفهم الجاهلية ام نملك مجرد صورة ذهنية مشوشة ؟

وهل الجاهلية عصر أم فكر ؟

ولماذا لا نقدم العصر الجاهلي بلا تمجيد كاذب و لا تقييم متحامل ..؟

كيف نجمع بين متناقضات الشجاعة وقطع الطريق وبين تعظيم الكعبة وعبادة الأوثان؟

ما هي الجاهلية؟

كلما وردت كلمة الجاهلية كلما تصورنا حقبة زمنية بصفات سيئة وأخلاق رديئة وتخلف مادي وهذا قصور في تصور مصطلح الجاهلية.

رؤيتان لماهية الجاهلية:

الرأي الأول :الجاهلية هي ضد العلم وهنا المقصود به العلم بالله وتوحيده وعدم إشراك الأوثان في ألوهيته و ربوبيته سبحانه .

الرأي الثاني : الجهل هو السفه والطيش وسوء الأخلاق والخفّـة وهي أمور كانت سائدة بين العرب قبل ظهور الإسلام.

هل الجاهلية عصر أم فكر؟

الجاهلية وصف لكل عصر لا يحكم فيه بشرع الله، ولاحظ رغم حضارة مملكة مأرب التي كانت تحكمهك بلقيس كان حكم الهدهد على هذه الحضارة بأنها جاهلية ، قال تعالى : ({وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ} [النمل: 24]"

يقول الأستاذ محمد قطب :( لم يقل القرآن قط إن العرب كانوا في جاهلية لأنهم لا يعرفون الفلك والطبيعة والكيمياء والطب.. أو لأنهم لا يعرفون النظم السياسية، أو لأنهم قاصرون في ميدان الإنتاج المادي، أو لأنهم خلوا من بعض الفضائل، أو خلوا من القيم على الإطلاق.. إنما قال لهم إنهم جاهليون لأنهم يُحكّمـون أهواءهم ويرفضون حكم الله)(جاهلية القرن العشرين)



المباديء

1- التاريخ ليس أبيضا أو أسودا

فلا يوجد تاريخ كله شيطاني ولا تاريخ كله ملائكي ولكن يوجد خليط من هذا وهذا وتختلف نسبته من حضارة لأخرى، حتى في نفس الحضارة حسب سن الحضارة من الشباب والشيخوخة.

في العصر الجاهلي كانوا:

ـ من جهة اهل كرم ومن جهة أخرى يتعاملون بالربا

ـ وكانوا من جهة يعظمون الكعبة ومن جهة أخرى يعبدون الأصنام

ـ وكانوا من جهة يفخرون بيوم ذي قار ومن جهة أخرى لديهم حرب البسوس

ـ وكانوا من جهة يستجيبون لمن يستغيث بهم ومن جهة أخرى يقطعون الطريق !!



2- الخلل الرئيسي في الفكر:

الفكر الذي يقف خلف قيام الحضارة والدول يحدد حجم قيم الحضارة ومساراتها الاخلاقية، ويحدد كذلك عمر تلك الحضارة بناء قربها أو بعدها من سنن الكون واستجابتها للمكون الانساني واحتياجاته المادية وأشواقه الروحية.

وانظر حالة التفرق والضعف التي كان يعانيها عرب الجاهلية رغم اتصافهم بالقسوة وتحمل الشدائد والشجاعة والقوة وانقلاب حالتهم بالفكر الريادي للإسلام حيث شهدنا أسرع صعود لثقافة وفكر في التاريخ من خلال الفتوحات السريعة والواسعة التي عمت العالم في أقل من قرن واحد !!



3- الإسلام أقر مزايا الجاهلية :

فلم يرفض تلك المزايا ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَقَدْ شَهِدْتُ فِي دَارِ ابْنِ جُدْعَانَ حِلْفًا ، لَوْ دُعِيتُ إِلَيْهِ فِي الْإِسْلَامِ لَأَجَبْتُ ، تَحَالَفُوا أَنْ تُرَدَّ الْفُضُولُ عَلَى أَهْلِهَا ، وَأَلَّا يَعُزَّ ظَالِمٌ ، مَظْلُومًا " .



4- لولا مزاياهم ما تم اختيارهم .

فالمشكلة ليست في صفاتهم غير المهدفة بل المشكلة في غياب المنهج الذي ينظم هذه الصفات في قيم وأفكار حاكمة وريادية وهذا ما فعله الإسلام في امة العرب.



عيوب الفكر الجاهلي:

أجمل جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه حالهم في الجاهلية فقال أمام النجاشي في الحبشة لما هاجر إليها : " كنَّا قوماً أهل جاهلية ، نعبد الأصنام ، ونأكل الميتة ، ونأتي الفواحش ، ونقطع الأرحام ، ونسيء الجوار ، ويأكل القويُّ منا الضعيف " رواه أحمد .



‌أ. الوثنية :

كانت الكعبة نفسها حولها (360) صنماً، وهي أشرف بقعة على الأرض.



‌ب. العصبية:

لا حرج على المسلم أن يعتني بنسبه ويعرف مكانة بيته وعشيرته في حدود الشرع إذا لم يترتب على ذلك مفسدة أو ظلم وتعدي على أحد.

لكن شعار الجاهلية الشهير كان : انصر أخاك ظالما او مظلوما،فهذه العصبية جيدة لمواجهة ظروف الصحراء القاسية لكنها في نفس الوقت لا تقيم اعتبارا لقيم الحق والعدالة في مقابل قيمة الانتماء العصبي

هناك فرق بين العصبية العادية والعصبية الجاهلية ، فالعصبية أمر مطلوب ما لم يجاوز الحد ، ولما اشتد القتال في معركة اليمامة، واختلطت الصفوف، ميَّز خالد بن الوليد –رضي الله عنه- الأنصار من الأعراب، وجعل كل قبيلة تحت راية مستقلة بها، حتى يعرف الناس من أين يؤتون، ولم يُنكر عليه ذلك، بل كان هذا هو شأن الجيوش الإسلامية قديماً، أي: كل قبيلة تأتي متميزة عن أختها، حتى تتبين معالم الجيش، وتكويناته الأساسية.

قال تعالى : (إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ).وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ليس منا من دعا إلى عصبية وليس منا من قاتل على عصبية وليس منا من مات على عصبية). رواه أبو داود.



‌ج. اضطهاد المرأة:

كانت المرأة بشكل عام مضطهدة الحقوق لكن هذا لم يمنع من تميز بعض النساء في القبائل ذات المكانة الرفيعة .

كانت مكانة المرأة قبل الإسلام يتنازعها عاملان ، الإفراط والتفريط ، ففي جانب نرى المرأة التي هي أم الرجل ، وزوجته ، وأخته ، وقريبته ، نراها وقد اتخذها الرجل خادماً ، بل أمَة ، تباع وتشترى ، محرومة من أبسط الحقوق الإنسانية.

وفي جانب آخر نرى تلك المرأة نفسها قد عظموها تعظيماً كبيراً ، ونالت اهتماماً يفوق حد المعقول ، وأُنزلت منزلة أعظم من شأنها ، إلا أنها لم تنل ذلك في غالب الأحيان بناء على شريعة أو عرف يُطبق ، ولكنها نالته لأنها مطلب من مطالب المتعة والوجاهة الاجتماعية.

أما المكانة التي تستند إلى قانون أو عرف أو إحساس باستحقاقها ، فقد كانت معدومة في أغلب عصور الحضارة الأولى قبل الإسلام .



ميزان الحلقة

الجاهلية مفهوم قابل للتكرار وليست حقبة زمنية اندثرت

http://www.suwaidan.com/node/6602